الديمقراطية التشاركية وصناعة القرار

ggrini

19 يونيو  2018                                *إدريس لكريني

إن صناعة القرار هي عملية معقدة؛ ونتاج جهود فردية أو جماعية؛ تحيل إلى اختيار الممكن من عدة بدائل وخيارات متاحة؛ وتجسّد مرحلة الحسم بالنسبة لصانع القرار على مستوى الاختيار بين ما ينبغي اتخاذه أو تلافيه بصدد موضوع محدد أو قضية معينة..
تشير الكثير من الدراسات والأبحاث والتجارب أيضا؛ إلى أنه لا يمكن لشخص بمفرده أن يتعاطي مع مختلف القضايا والمشكلات والأزمات بصورة شمولية وناجعة؛ ما لم يتم الانفتاح على مختلف الكفاءات.. ذلك أن اعتماد خيار التشارك يدعم تجويد القرارات؛ بما يجلها أكثر استجابة للحاجات المطروحة.
غير أن اتخاذ القرار وبخاصة في أوقات الأزمات يقتضي التسابق مع عنصر الوقت تلافيا لتفاقم الخطر وخروج الأمور عن نطاق التحكم والسيطرة؛ مما يفرض أحيانا اتخاذ مبادرات على قدر كبير من السرعة؛ وهو ما يتوقف على كفاءة واجتهاد أشخاص بعينهم؛ غالبا ما يكونون في مواجهة مباشرة لهذه الأزمات ولمختلف الحالات العصيبة والضّاغطة المحيطة بها..
عادة ما يمرّ اتخاذ القرارات بمجموعة من المراحل التي تتركز في تسليط الضوء على المشكل القائم وتحديد الهدف؛ وطرح البدائل المختلفة؛ ثمّ تحليلها وتقييمها واختيار الأنسب والأنجع منها؛ قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ والمواكبة.
تتداخل الكثير من العوامل الذاتية والموضوعية المؤثرة في جودة اتخاذ القرار؛ في علاقة ذلك بكفاءات متخذي القرار؛ أو بالمعلومات المتاحة حول المشكل أو القضية ومدى أهميتها ودقتها؛ إضافة إلى مدى اعتماد التشاركية في صناعة هذا القرار أم لا..
تؤكد الممارسة أن القرارات التي تصاغ بشكل تشاركي؛ غالبا ما تكون أكثر نجاعة واستجابة للحاجيات المطروحة. فالتشاركية باعتبارها إحدى العناصر اللازمة لتحقّق الحكامة؛ هي أسلوب يدعم الشفافية وتقاسم المسؤولية؛ بما يجعلها أقل حدّة؛ كما أنها تتيح الاستفادة من مختلف الإمكانيات والكفاءات الداعمة لجودة القرار وانفتاحه على المحيط..
تحيل الحكامة الجيدة إلى أسلوب رشيد لتدبير الشؤون العامة؛ من خلال استثمار الإمكانات المتاحة بشكل جيد؛ وفتح المجال أمام مختلف الفاعلين للمساهمة في هذا الشأن في إطار من التنسيق والتعاون لتلبية الحاجات المطروحة داخل المجتمع.
وتعتبر التشاركية إحدى الأسس التي تنبني عليها الممارسة الديمقراطية؛ وقد جاءت كرد فعل على المقاربات الانفرادية التقليدية، وهي تحيل (التشاركية) إلى العمل الجماعي الذي أكدت الممارسة نجاعته وأهميته؛ وتقوم على تكثيف الجهود والسعي لتحقيق الأهداف المتوخاة على أحسن وجه.
وهي تتطلب وجود شركاء وفاعلين مقتنعين بجدوى العمل التشاركي؛ ويتقاسمون العديد من الأهداف؛ والعمل في إطار من الشراكات المحددة للأدوار والمسؤوليات.. وبذلك تمثل التشاركية ذلك الإطار الذي يتحقق من خلاله التعاون والتشاور بين الأفراد والفعاليات والمؤسسات والمنظمات الخاصة والعامة..
تتباين أشكال المشاركة بين ما هو تمثيلي مبني على الانتخاب؛ أو مشاركة صورية لإضفاء طابع من المقبولية على القرار؛ ومشاركة تقتصر على متابعة ومواكبة بعض مراحل اتخاذ القرار؛ ثم مشاركة فعلية ترتبط بالتأثير في صناعة القرارات..
جاءت الديمقراطية التشاركية بالأساس لتجاوز هدر الطاقات والفرص وتجاوز النقائص التي تعتري الديمقراطية التمثيلية المبنية على العملية الانتخابية وما يتصل بها من ترشّح وتصويت وولوج إلى المجالس المنتخبة والتأثير في إطارها؛ وبخاصة وأن الممارسة تبرز أن هذه الأخيرة حتى ولو مرت في ظروف من النزاهة والشفافية؛ لا تفرز- بالضرورة- الأجود من النخب والكفاءات؛ كما أن ما يعتري هذه العملية في بعض الدول أحيانا من عزوف تارة؛ أو فساد تارة أخرى؛ يعمق المشكلة أكثر..
تنحو الديمقراطية التشاركية إلى دعم المشاركة المدنية عبر التأثير في صناعة القرار العمومي؛ وتحقيق الشفافية؛ وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ وترسيخ الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام.
لم يعد في عالم اليوم مجال لاعتماد المقاربة الانفرادية الكلاسيكية؛ ذلك أن اللامركزية في اتخاذ القرارات أضحت من سمات الدولة الحديثة؛ وميزة للمؤسسات الدينامية والرائدة في القطاعين العام والخاص.
فعلى عكس المقاربات الانفرادية التي تعتمد على مركزية مفرطة في اتخاذ القرار؛ وعلى تنفيذ الأوامر والمزاجية والافتقاد لعمل الفريق في الأداء؛ مع التركيز على التدبير اليومي في إطار من التعقيد وغياب الرؤية الاستراتيجية، تقوم الديمقراطية التشاركية على السلاسة والمرونة وفتح هامش من الحرية من حيث المبادرة والتحرك؛ وتحفيز العنصر البشري وحشد الجهود والإمكانيات واعتماد السبل العلمية والاستراتيجية في التدبير..؛ بالصورة التي تنطلق معها القرارات من أسفل نحو الأعلى..
ولا تشكل الديمقراطية التشاركية بهذه الصورة بديلا عن نظيرتها التمثيلية؛ بل تدعمها وتملأ البياضات والاختلالات التي تفرزها؛ كما أنها تنسجم مع التحولات والمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. ومع بروز عدد من الفاعلين الأكفاء في المشهد السياسي (فعاليات حقوقية؛ وحركات نسائية وبيئية؛ ومجتمع مدني دينامي؛ وشبكات التواصل الاجتماعي..) التي تفرض التفاعل معها واستحضارها في السياسات العامة محليا ووطنيا؛ وضمن مختلف التشريعات أيضا..
فالديمقراطية التشاركية تعطي للمشاركة السياسية مدلولا أوسع؛ من حيث توفير الفرص والهامش لمختلف المواطنين والمؤسسات والفعاليات بالتأثير في صناعة القرارات والنقاشات والسياسات العمومية؛ وعلى مستوى إتاحة الفرص أمامها في الولوج إلى المعلومات وصناعة وتتبع ومواكبة وتقييم السياسات العمومية..
تدعم الديمقراطية التشاركية – باعتبارها آلية لتدبير الاختلاف – التفاعل الإيجابي والدينامي بين الإنسان ومحيطه؛ كما تثري القرار باقتراحات وبدائل من وجهات نظر مختلفة؛ يعكسها تنوع الشركاء من قطاع عام أو خاص أو مجتمع مدني؛ ومراكز بحث وجامعات ومؤسسات إعلامية..
لم تعد السياسات العمومية بالبساطة التي كانت عليه في الماضي؛ من حيث تعقدها وتشابكها واستئثار هذه السياسات بقضايا واهتمامات جديدة أفرزها الواقع المتغير؛ ونفس الأمر ينطبق على التشريعات التي أصبحت بحاجة إلى تعميق أكثر يدعم استقرارها ومواكبتها لهذه لتحولات؛ فيما تزايدت تأثيرات مختلف الفاعلين في هذه السياسات بسبل مباشرة أو غير مباشرة..
إن كسب رهانات الديمقراطية التشاركية وإعادة الاعتبار والثقة للسياسات العمومية؛ يتطلب بداية؛ توفير التشريعات والسياسات الداعمة لذلك؛ وانفتاح صانعي القرار على أدائها ومخرجاتها؛ كما يستوجب أيضا تطوير مختلف الفعاليات المعنية بها لأدائها في إطار من الاحترافية والنجاعة..
*أستاذ القانون العام في كلية الحقوق؛ جامعة القاضي عياض
drisslagrini@yahoo.fr
https://www.facebook.com/driss.lagrini
هسبريس الخميس 16 يونيو 2016 – 10:27